الشيخ محمد النهاوندي

27

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وعن أمير المؤمنين عليه السّلام قال : « لا تنقضي عجائبه ، ولا يشبع منه العلماء ، هو الذي لم تلبث « 1 » الجنّ إذ سمعته أن قالت : إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ « 2 » . وسيأتي - إن شاء اللّه - عند تفسير قوله عزّ وجلّ : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا « 3 » مزيد بيان لذلك والتعرّض لوجوه إعجازه بمقدار فهمي القاصر . الطرفة الثانية في تعريف المعجزة وأنّ القرآن العظيم معجزة عقلية المعجزة : هي الأمر الخارق للعادة ، المقرون بالتحدّي السالم عن المعارضة من مدّعي النبوّة عند احتمال صدقه في الدعوى ، وهي قسمان : حسّيّة ؛ كصيرورة العصا ثعبانا ، وإحياء الموتى ، وإطعام الجمع الكثير بالطعام اليسير . وعقليّة : كإعجاز القرآن المجيد . قيل : كانت معجزات أنبياء بني إسرائيل أكثرها حسّيّة ، لبلادة أممهم ، وقلّة ذكائهم ، بخلاف معجزات نبيّنا صلوات اللّه عليه وآله فإنّ عمدتها عقليّة لفرط ذكاء أمّته ، وكمال فهمهم ، ولأنّ هذه الشريعة ونبوّة هذا النبيّ باقية دائمة مدى الدهر ، وأحكامه مستمرّة إلى يوم القيامة ، فخصّ نبيّنا بأن أعظم معجزاته عقليّة باقية ليراها ذوو « 4 » البصائر قرنا بعد قرن ، كالشمس تجري ما استقرّت الأرضون ودارت السماوات . عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله قال : « ما من الأنبياء نبيّ إلّا أعطي ما بمثله آمن « 5 » البشر ، وإنّما كان الذي أوتيته « 6 » وحيا أوحاه اللّه إليّ ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا » « 7 » . قال بعض العلماء : إنّ معناه أنّ معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم ، فلم يشاهدها إلّا من حضرها ، ومعجزة القرآن مستمرّة إلى يوم القيامة . وخرقه العادة في فصاحته وبلاغته ونظمه وأسلوبه وإخباره بالمغبيّات باق إلى آخر الدهر ، فلا يمرّ عصر من الأعصار إلّا ويظهر فيه شيء ممّا أخبر به أنّه

--> ( 1 ) . في تفسير العياشي : لم تكنّه . ( 2 ) . تفسير العياشي 1 : 75 / 2 ، والآيتان من سورة الجن : 72 / 1 و 2 . ( 3 ) . البقرة : 2 / 24 . ( 4 ) . في النسخة : ذو . ( 5 ) . في صحيح البخاري : ما مثله آمن عليه . ( 6 ) . في صحيح البخاري : أوتيت . ( 7 ) . صحيح البخاري 6 : 313 / 3 ، وزاد فيه : يوم القيامة .